في خضم التنافس المحتدم والضغوط التي تحيط بنجوم كرة القدم، غالبًا ما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لكشف المستور أو التعبير عن مكنونات النفس بطرق مبطنة. وهذا ما يبدو جليًا في الحالة الراهنة للاعب خط وسط ريال مدريد، الإسباني داني سيبايوس، الذي أطلق سلسلة من الرسائل المشفرة عبر حساباته الرسمية، عكست بوضوح التوتر والقلق الذي يكتنف وضعه داخل أروقة النادي الملكي العريق. لم تكن هذه التغريدات مجرد خواطر عابرة، بل حملت في طياتها دلالات عميقة تشير إلى تصدع محتمل في العلاقة بين اللاعب وإدارة الجهاز الفني الجديد.
تكمن جذور هذا الموقف المتأزم في التغيير الذي طرأ على دفة القيادة الفنية لفريق العاصمة الإسبانية. فمنذ تسلم الأسطورة السابقة للريال، ألفارو أربيلوا، زمام المسؤولية خلفًا للمدرب السابق تشابي ألونسو، شهد دور سيبايوس تراجعًا ملحوظًا ومثيرًا للقلق. اللاعب الأندلسي الذي عُرف بمهاراته الفنية وقدرته على التحكم بإيقاع اللعب، وجد نفسه تدريجيًا خارج الحسابات الأساسية، وبات حضوره على أرض الملعب أشبه بالظل منه باللاعب المحوري.
الأرقام لا تكذب، فمنذ مجيء أربيلوا، لم يظفر داني سيبايوس بفرصة المشاركة كأساسي في أي مباراة، وهو مؤشر صارخ على ابتعاده عن خيارات المدرب الأول. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وصل حد إبقائه على مقاعد الاحتياط دون أن تطأ قدماه أرض الملعب لدقيقة واحدة في أربع مباريات متتالية، بينما كان يشاهد لاعبين شبان مثل خورخي سيستيرو ينالون فرصهم في المشاركة قبله، الأمر الذي لا يعكس سوى تدهور مكانته في سلم الأولويات الفنية بشكل دراماتيكي.
وفي محاولة منه للتعبير عن مشاعره ودحض الإحباط المتزايد، لجأ سيبايوس إلى حسابه على ‘إنستغرام’ لنشر عبارة ذات مغزى عميق، جاء فيها: ‘آمن بنفسك.. لم أتوقف أبدًا عن الإيمان بذاتي، وعليك أنت أيضًا أن تؤمن بنفسك؛ فأنت تستحق أكثر مما تعتقد’. هذه الكلمات، التي تعود أصولها إلى الرياضي المخضرم بنيتو أنطونيو الذي خاض نهائي ‘السوبر بول’ عام 1960 مؤكدًا: ‘إذا كنت هنا، فذلك لأنني لم أتوقف أبدًا عن الإيمان بنفسي’، لا تحمل في طياتها رسالة تحفيزية شخصية فحسب، بل تُعد أيضًا إعلانًا ضمنيًا عن صراع داخلي يخوضه اللاعب لإثبات جدارته وكسر قيود التهميش.
لم تكن تلك الرسالة هي الوحيدة التي أطلقها سيبايوس في هذا الأسبوع المليء بالدلالات. فقبلها بأيام قليلة، تحديدًا يوم الاثنين الماضي، نشر رسالة أخرى لا تقل أهمية وعمقًا، مفادها: ‘هنا نحن نمتلك القليل من الأصدقاء؛ فالولاء عملة غالية’. هذه العبارة تحمل في طياتها نبرة أكثر حدة وربما مرارة، ويمكن تفسيرها على أنها إشارة إلى شعور اللاعب بالوحدة أو عدم تقدير دوره، أو حتى تلميح إلى قلة السند والدعم الذي يجده داخل المنظومة الكروية. ففي عالم كرة القدم الاحترافية، غالبًا ما يُربط مفهوم الولاء بالفرص الممنوحة والثقة المتبادلة بين اللاعب والجهاز الفني والإدارة، وعندما يشعر اللاعب بغياب ذلك، يصبح التعبير عن هذا النقص ضرورة ملحة وإن كان بطريقة غير مباشرة.
إن توالي هذه الرسائل من لاعب بقيمة داني سيبايوس لا يمر مرور الكرام. فهي لا تضع اللاعب فقط في موقف حرج، بل تثير تساؤلات حول الأجواء داخل غرفة تبديل الملابس في ريال مدريد وعن استراتيجية المدرب أربيلوا في التعامل مع العناصر الخبرة. فهل يسعى سيبايوس من خلال هذه الإشارات إلى لفت الانتباه وتغيير وضعه؟ أم أنها مقدمة لطلب الرحيل والبحث عن وجهة جديدة تتيح له العودة إلى الملاعب كلاعب أساسي؟ الأيام القادمة ستحمل بالتأكيد إجابات لهذه التساؤلات، لكن المؤكد أن الأندلسي لا ينوي الاستسلام، ويُظهر إصرارًا على القتال من أجل استعادة مكانه أو إيجاد مسار جديد يعيد له بريقه.