في قلب معترك الانتخابات الرئاسية المرتقبة لنادي برشلونة في الخامس عشر من مارس/آذار المقبل، لا يزال المرشح الطموح فيكتور فونت يُواصل إثارة الجدل وتقديم رؤىً جذريةً تهدف إلى إعادة تشكيل هوية النادي الكتالوني. ومع كل ظهور إعلامي، يُبرز فونت التزامه الراسخ بمبادئ الشفافية والمساءلة وحماية نموذج الملكية الفريد لبرشلونة، لكن تصريحاته الأخيرة جاءت لتحمل في طياتها مفاجأةً من العيار الثقيل، كفيلةً بإشعال شرارة نقاشٍ حادٍّ حول كيفية إدارة الأمور داخل الكامب نو.
لقد وضع فونت، الذي يُنظر إليه على أنه المنافس الأبرز للرئيس الحالي خوان لابورتا، نصب عينيه إقامة ما وصفه بـ"اتفاق مع الأعضاء"، مُؤكداً أن جوهر مشروعه يرتكز على دعائمَ أساسيةٍ تهدف إلى تحصين نموذج ملكية النادي الذي يعتمد على الأعضاء "السوسيو"، وتعزيز مستويات الشفافية غير المسبوقة، وتوسيع قاعدة مشاركة الأعضاء في صناعة القرار، فضلاً عن تفعيل آليات رقابية فعّالة تضمن النزاهة والاستقلالية التامة. هذه الرؤية تأتي في وقتٍ يشهد فيه النادي تحدياتٍ ماليةً وإداريةً جمّة، مما يجعل دعوات الإصلاح أكثر إلحاحاً.
وبلهجةٍ حازمةٍ، شدد فونت، مستشهداً بتقرير صحيفة "ماركا" الإسبانية المرموقة، على أن نموذج الملكية الحالي لبرشلونة، الذي يُعد فخرَ النادي وعصَبَه، بات مُهدداً، داعياً إلى ضرورة تحصينه من أي محاولاتٍ لتغييره أو المساس به. وأوضح أن أي اقتراحٍ يرمي إلى تعديل السيطرة الكاملة للأعضاء على ملكية النادي يجب أن يخضع لاستفتاءٍ شعبيٍّ واسع، يستوجب مشاركة ثلثي القاعدة الانتخابية على الأقل، وأن يحصل على موافقةٍ بأغلبيةٍ ساحقةٍ تصل إلى 75% من الأصوات المُدلى بها. هذا الشرط الصارم يعكس مدى قلق فونت على استقلالية النادي وديمقراطيته الداخلية، ورفضه لأي قرارات فردية تمس جوهر كيان النادي.
ولم يتوانَ المرشح الطموح عن توجيه سهام النقد اللاذع للإدارة الحالية، مُصرحاً بأن النادي "يُدار بمنطق الفردية، ونبتعد أكثر فأكثر عن الأعضاء"، وهي إشارةٌ واضحةٌ إلى تراجع دور الأعضاء في اتخاذ القرارات المصيرية وعدم إشراكهم الفعال. ولكن النقطة التي أحدثت دوياً هائلاً وكانت بمثابة الصاعقة، كانت فيما يتعلق بملف الشفافية المالية، حيث أشار فونت إلى ضرورة قصوى لمعرفة حجم العمولات المدفوعة في صفقات التعاقدات الرياضية، وفي القلب منها، الكشف عن عمولةٍ "فريدةٍ وغير مسبوقةٍ" بلغت 50 مليون يورو.
هذه العمولة الضخمة، بحسب فونت، حصل عليها وكيل اللاعبين دارين دين، وذلك مقابل وساطته في عقد الرعاية الحيوي الذي يربط النادي بشركة "نايكي" العالمية للمستلزمات الرياضية. إن هذا الرقم الخرافي، الذي تجاوز كل التوقعات والسابقة في تاريخ التعاقدات التجارية الرياضية، يثير تساؤلاتٍ جوهريةً حول مدى كفاءة إدارة النادي لأصوله المالية، وحول الشروط التي بموجبها تُدفع هذه العمولات، وما إذا كانت تخدم المصلحة العليا للنادي وأعضائه. الكشف عن هذا المبلغ الهائل يُعد ضربةً موجعةً لمفهوم الشفافية المزعومة، ويدعو إلى مراجعة شاملة لآليات التفاوض والتعاقدات داخل برشلونة، كما يُسلط الضوء على ما أسماه فونت بـ"الغياب المؤسف للرقابة والمساءلة".
وتعهد فونت بمواجهة هذه التحديات بتعزيز مشاركة الأعضاء من خلال إحداث تغييرٍ جذريٍّ في نظام الجمعيات العمومية، لتُصبح هجينةً وتُعقد مرتين سنوياً، مما يتيح لأكبر عددٍ من الأعضاء فرصة الحضور والمساهمة الفعّالة، سواء بالحضور المباشر أو عبر المنصات الرقمية. كما أكد على التزامه بتطبيق آليات رقابةٍ فعّالةٍ تضمن استقلالية نظام الامتثال داخل النادي، وهو نظامٌ حيويٌّ للتحقق من التزام النادي بالمعايير القانونية والأخلاقية، ويمنع أي تضارب في المصالح. ولتأكيد جدية هذه الوعود، قطع فونت على نفسه عهداً بالتقدم باستقالته من منصبه، في حال لم يتمكن من تنفيذ هذه النقاط الجوهرية بحلول منتصف ولايته الرئاسية، وهو تحدٍّ يضعه أمام الناخبين لتقييم مدى التزامه ورؤيته الجريئة في قيادة سفينة البلوغرانا نحو عهدٍ جديدٍ من النزاهة والاحترافية.