على الرغم من مرور أسبوع كامل على موقعة الكلاسيكو النارية التي جمعت الاتحاد بغريمه التقليدي النصر في دوري روشن السعودي، إلا أن ظلال تلك المواجهة ما زالت تُلقي بظلالها الكثيفة على المشهد الرياضي، وتحديدًا على تصريحات المدرب البرتغالي سيرجيو كونسيساو، المدير الفني لعميد الأندية السعودية. ففي لفتة تحمل في طياتها الكثير من الإصرار وربما الحسرة، عاد كونسيساو ليفتح ملف ركلة الجزاء التي لم يحتسبها حكم اللقاء لفريقه، مؤكدًا على أنها كانت نقطة تحول محتملة كانت لتقلب موازين المباراة رأسًا على عقب، وذلك بعد أيام معدودة من تحقيق انتصار صعب.
جاء هذا التجديد للمناقشة عقب الفوز الذي حققه الاتحاد بصعوبة على الفيحاء بهدفين لهدف في الجولة الثانية والعشرين من الدوري، وهي نتيجة كانت بمثابة بلسم لجراح الهزيمة المؤلمة أمام النصر بهدفين نظيفين في الجولة التي سبقتها. ومع أن الفوز الأخير قد منح الفريق بعضًا من الهدوء والاستقرار وأعاد التوازن النفسي للاعبين، إلا أن المؤتمر الصحفي الذي تلا المباراة كشف عن عمق الأثر الذي تركته مباراة النصر في نفس المدرب البرتغالي، وظهر جليًا أن الخسارة لم تمر مرور الكرام.
واجه كونسيساو سؤالًا مباشرًا وصريحًا حول التراجع الملحوظ في قدرة الفريق على صناعة الفرص خلال الفترة الأخيرة، وهو ما تؤكده الأرقام والإحصائيات الحديثة التي باتت أدوات تحليل لا غنى عنها في كرة القدم الحديثة. رد المدرب البرتغالي، بنبرة بدت وكأنها تحمل شيئًا من الضيق وربما التحدي، قائلاً: ‘مع كامل الاحترام، هذا النوع من الأسئلة يتكرر دائمًا، والأرقام لا تعكس الحقيقة كاملة ولا تروي القصة بأكملها.’ وأضاف موضحًا وجهة نظره التفصيلية: ‘نحن أكثر الفرق وصولًا للثلث الأخير من الملعب، وهذا بحد ذاته مؤشر إيجابي على قدرتنا الهجومية، ولكننا في المقابل الأكثر إضاعة للفرص المحققة. لقد هدد الفيحاء مرمانا مرة واحدة فقط طوال المباراة، ونحن بحق أكثر فريق يهدر الفرص في الدوري السعودي. ربما لم نكن في قمة مستوانا أمام الفيحاء، ولكن الأداء عمومًا ليس سيئًا كما قد توحي الأرقام المجردة.’ هذه الإجابة، على الرغم من منطقيتها الظاهرية واعترافه بنقاط الضعف، كانت بمثابة تمهيد لما سيليها من تصريحات أكثر حدة وتركيزًا.
لم يقبل الصحفي بهذا التبرير بالكامل، وعاد ليُحاصر المدرب بسؤال أكثر تحديدًا وعمقًا، مشيرًا إلى أن التراجع في خلق الفرص لم يقتصر على مواجهة الفيحاء فحسب، بل امتد ليشمل مباراة النصر وما سبقها من لقاءات حاسمة. وهنا، كشف كونسيساو عن جوهر انزعاجه وما يخالجه من شعور بالظلم، قائلاً بوضوح ودون مواربة: ‘في مواجهة النصر، لو احتسبت ركلة الجزاء التي استحقها فريقنا بكل جدارة، لتغير مجرى المباراة بأكمله، ولربما اختلفت النتيجة النهائية تمامًا لصالحنا.’ كانت هذه الجملة بمثابة إلقاء حجر في مياه راكدة، معيدًا تسليط الضوء على لحظة جدلية ما زالت تُشعل النقاشات الرياضية وتثير تساؤلات حول عدالة القرارات التحكيمية.
كان مدرب الاتحاد يشير إلى تلك اللحظة الحاسمة في الشوط الأول من لقاء الكلاسيكو، عندما كانت النتيجة لا تزال سلبية، وشهدت إحدى الكرات داخل منطقة جزاء النصر احتكاكًا واضحًا رأى فيه الجهاز الفني والجماهير الاتحادية استحقاقًا لا مراء فيه لركلة جزاء لم تُحتسب، حتى بعد مراجعة تقنية الفيديو (VAR). وبعد تلك اللحظة المحورية، ومع استمرار التعادل، تمكن النصر من خطف الفوز في الدقائق الأخيرة، وهو ما ضاعف من حسرة الاتحاديين وشعورهم العميق بالظلم التحكيمي. هذا الإصرار من كونسيساو على تكرار الشكوى، رغم مرور الوقت ورغم تحقيق فوز لاحق، يُظهر مدى ترسخ قناعة لديه بأن القرار التحكيمي كان له تأثير مباشر ومحوري على مصير النقاط الثلاث، وأن الفريق حُرم من فرصة ذهبية لتغيير سيناريو المباراة.
إن استمرار المدرب البرتغالي في التركيز على هذه اللقطة التحكيمية يثير تساؤلات عدة حول دوافعه الحقيقية: هل هي محاولة لتبرير تراجع أداء الفريق العام وتقديم شماعة جاهزة لإلقاء اللوم عليها لتخفيف الضغط عنه وعن لاعبيه؟ أم أنها تعبير صادق عن إحباط شديد من قرارات تحكيمية يرى أنها أثرت بشكل مباشر على حظوظ فريقه في المنافسة على لقب الدوري؟ لا شك أن هذه التصريحات، وإن جاءت عقب فوز، قد تُلقي بظلالها على الثقة بين الأندية وجهاز التحكيم، وتزيد من حدة التوتر في مباريات الدوري السعودي الذي يشهد تنافسًا شرسًا. وقد يرى البعض فيها رسالة ضمنية للاتحاد السعودي لكرة القدم ولجنة الحكام بضرورة مراجعة الأداء التحكيمي لتجنب تكرار مثل هذه المواقف التي قد تغير مسار مواجهات حاسمة، بينما قد يفسرها آخرون بأنها محاولة للتأثير على القرارات التحكيمية المستقبلية. كما أن الإفصاح المتكرر عن مثل هذه الشكاوى قد يؤثر نفسيًا على اللاعبين أنفسهم، مشعرين إياهم بأن جهودهم قد تذهب أدراج الرياح بسبب قرارات خارجة عن سيطرتهم.
بين الأداء المتقلب والتصريحات النارية، يجد سيرجيو كونسيساو نفسه في مرمى نيران التوقعات والضغوط الجماهيرية والإعلامية. وشكواه المتجددة من ركلة جزاء النصر ليست مجرد اعتراض عابر في لحظة غضب، بل هي صرخة قد تكشف عن توترات أعمق داخل المنظومة الكروية في المملكة، وتؤكد أن الكلاسيكو السعودي غالبًا ما يترك خلفه قصصًا لا تمحوها الأيام بسهولة، حتى لو انتهت صافرة المباراة وعقبتها جولات أخرى، تظل ذكريات القرارات المصيرية حاضرة بقوة في الأذهان.